كثير من الناس لا ينحرفون لأنهم أرادوا الشر، بل لأنهم أخطؤوا في تعريف الخير نفسه. فالفساد نادرًا ما يأتي إلى الإنسان معلنًا عن حقيقته، وإنما يتسلل إليه من خلال أبواب يحبها ويطمئن إليها. فمحبُّ الشهرة قد يُمنح منبرًا ويُقنع بأنه صاحب رسالة، حتى يصبح أسيرًا لتصفيق الناس أكثر من طلب الحقيقة. ومحبُّ الإصلاح قد يُصوَّر له أن الغلظة في الخطاب دليل صدقٍ وشجاعة، وأن نفور الناس منه برهانٌ على صحة طريقه، حتى يتحول من داعية إلى الخير إلى سبب في التنفير منه. وهكذا قد ينقلب الخير إلى شر، ويصبح الإنسان ناهيًا عن المعروف وهو يظن أنه يأمر به، وسائرًا في طريق الضلال وهو يحسب أنه يحسن صنعًا. ولذلك فإن أخطر طرق الضلال ليست في فساد النية، بل في فساد الميزان الذي تُوزَن به الأشياء.
في تصوري أن أصل كل بناء صحيح هو صحة المعيار. فالمنزل لا يقوم على كثرة المواد، بل على مقاييس هندسية دقيقة، وكذلك الإنسان لا يصبح صالحًا بحسن النية وحده، بل بامتلاك ميزان صحيح يزن به أفكاره وأفعاله وتروكه. فإذا اختل هذا الميزان، أمكن للمرء أن يبتعد عن الحق خطوة بعد خطوة وهو يظن بكل صدق أنه يقترب منه. وقد نبَّه الله سبحانه وتعالى إلى هذه الحقيقة في كتابه الكريم؛ فذمَّ من يجعل ما ورثه عن آبائه معيارًا للحقيقة دون نظر وتمحيص، وأمر بالرجوع إلى أهل الذكر بقوله: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. كما عرض نماذج للمضلِّلين كالسامري وفرعون، ليؤكد أن الإنسان قد يضل ضلالًا بعيدًا حين يسلّم عقله لمعايير فاسدة أو لقادة مضلِّلين. ومن هنا فإن أول خطوة في بناء النفس ليست جمع المعلومات، بل التحقق من صحة المصدر الذي نتلقى عنه معاييرنا: هل هو عالم حقًا أم مدّعٍ للعلم؟ وإذا شهد له الناس، فهل هؤلاء الشهود أنفسهم أهلٌ لهذه الشهادة؟
إن الطريق إلى الحق يحتاج إلى جهد وبحث وتجرد، لكنه ليس مستحيلًا. وكما يقضي الشاب سنوات من عمره بحثًا عن أفضل الجامعات ليلتحق بها، ويبحث المريض بعناية عن أمهر الأطباء، ينبغي له أن يبذل الحرص نفسه في طلب المعيار الذي يبني به عقله وروحه. فإذا أخلص في هذا البحث، وصل إلى الأخلاق الفاضلة والفكر الراقي؛ لأن الهداية ليست صدفة، بل ثمرة عقل متجرد، وبحث صادق، وإرادة لا ترضى إلا بالحق.
في تصوري أن أصل كل بناء صحيح هو صحة المعيار. فالمنزل لا يقوم على كثرة المواد، بل على مقاييس هندسية دقيقة، وكذلك الإنسان لا يصبح صالحًا بحسن النية وحده، بل بامتلاك ميزان صحيح يزن به أفكاره وأفعاله وتروكه. فإذا اختل هذا الميزان، أمكن للمرء أن يبتعد عن الحق خطوة بعد خطوة وهو يظن بكل صدق أنه يقترب منه. وقد نبَّه الله سبحانه وتعالى إلى هذه الحقيقة في كتابه الكريم؛ فذمَّ من يجعل ما ورثه عن آبائه معيارًا للحقيقة دون نظر وتمحيص، وأمر بالرجوع إلى أهل الذكر بقوله: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. كما عرض نماذج للمضلِّلين كالسامري وفرعون، ليؤكد أن الإنسان قد يضل ضلالًا بعيدًا حين يسلّم عقله لمعايير فاسدة أو لقادة مضلِّلين. ومن هنا فإن أول خطوة في بناء النفس ليست جمع المعلومات، بل التحقق من صحة المصدر الذي نتلقى عنه معاييرنا: هل هو عالم حقًا أم مدّعٍ للعلم؟ وإذا شهد له الناس، فهل هؤلاء الشهود أنفسهم أهلٌ لهذه الشهادة؟
إن الطريق إلى الحق يحتاج إلى جهد وبحث وتجرد، لكنه ليس مستحيلًا. وكما يقضي الشاب سنوات من عمره بحثًا عن أفضل الجامعات ليلتحق بها، ويبحث المريض بعناية عن أمهر الأطباء، ينبغي له أن يبذل الحرص نفسه في طلب المعيار الذي يبني به عقله وروحه. فإذا أخلص في هذا البحث، وصل إلى الأخلاق الفاضلة والفكر الراقي؛ لأن الهداية ليست صدفة، بل ثمرة عقل متجرد، وبحث صادق، وإرادة لا ترضى إلا بالحق.



